تقرير… كرة القدم أصبحت سيئة السمعة !

 

ميدان الجزيرة

لم تمر على كرة القدم لحظة كانت فيها الأرقام القياسية بهذه السمعة السيئة، ولم يحدث من قبل أن تجمع هذا الكم من النجوم والمواهب على قائمة غير المرغوب فيهم؛ بيل ما زال التعاقد القياسي لريال مدريد حتى اللحظة، وأوزيل كان أغلى صفقات أرسنال عند توقيعه، وسانشيز يتقاضى أعلى راتب في تاريخ البريميرليغ، وخيميس هو ثالث أغلى لاعب لاتيني في التاريخ، والأول والثاني، نيمار وكوتينيو، موجودون في القائمة ذاتها للمفارقة. 

   

كل هذا ولم نتطرق بعد لأسماء مثل إيكاردي وديبالا؛ لاعبون بقيمة فنية ضخمة ولكنهم لم يعثروا على نادٍ يستطيع المخاطرة بضمهم رغم عرضهم للبيع. صحيح أن التفاصيل مختلفة في كل حالة، ولكن هناك عنوان ضخم تندرج تحته هذه الحالة الغريبة، عنوان جديد قديم يصف الكثير من المجتمعات والمجالات خارج نطاق كرة القدم والرياضة عموما، ولكنه أصبح ينطبق عليها باعتبارها جزءا من الواقع الاجتماعي والاقتصادي، أو ما وصفه أليكس هيس محلل “Four Four Two” بـ “تركّز رأس المال في عدد محدود من الأندية”.

هذا ينعكس بشدة في قائمة فوربز (Forbes) لأقيم أندية كرة القدم في العالم التي صدرت منذ شهر تقريبا، والتي تظهر فيها فوارق مالية ضخمة بين كبار أوروبا لا تتناسب بالضرورة مع نتائجهم في المباريات الفعلية، وهذه هي المصيبة؛ أن الأمان الاقتصادي الذي يتمتع به عدد من الأندية أصبح أقوى من القواعد المنطقية للعبة ذاتها، ويمكنك بسهولة أن تجد في القائمة بعض الأسماء التي لم يبذل مُلّاكها جهدا يُذكر في السعي خلف نجاح كروي حقيقي خلال المواسم الماضية، ورغم ذلك لم تتأثر قيمتها أو شعبيتها أو قدرتها على الإنفاق في سوق الانتقالات. 

   

يكفيك أن تعلم أن النادي الوحيد الذي يناطح عملاقي إسبانيا من حيث القيمة هو مانشستر يونايتد رغم غيابه عمليا عن الساحة الكروية لست سنوات كاملة منذ آخر لقب دوري حصل عليه، والأهم أنه حتى قائمة الأندية الأغنى لا تخلو من الفجوات بدورها، وبينما يبلغ متوسط الفارق بين متتاليين في القائمة نحو 200 مليون باوند، فإن الفارق بين مانشستر يونايتد الثالث وبايرن ميونيخ الرابع يبلغ نحو ثلاثة أضعاف هذا الرقم، وهناك فجوة مشابهة بين ليفربول الثامن وتوتنهام التاسع.

بداية القصة تعود لإحدى أهم اللحظات المفصلية في تاريخ اللعبة عندما تم إقرار قانون بوسمان في منتصف التسعينيات. قبلها كان يحق للأندية أن تحتفظ بلاعبيها حتى بعد نهاية عقدهم، ولم يكن يحق للاعبين الرحيل إلا بعد الحصول على عرض مُرضٍ للنادي في ظاهرة أشبه بالعبودية، وهو ما غيّره قانون بوسمان عندما سمح لكل العاملين في أوروبا بالتنقل بحرية بعد انتهاء عقودهم، وبالتبعية أصبحت الأندية الصغيرة تفقد نجومها بانتظام لصالح الكبار، لأن بيع اللاعب بأي قيمة سيكون أفضل من خسارته مجانا. 

 

القانون ذاته كان عادلا، ولكن لحظة تطبيقه لم تكن ولن تكون كذلك أبدا، ببساطة لأنه كان متوقعا أن تكون الأندية الغنية وقتها هي أكبر المستفيدين، وهو ما حدث فعلا مع أندية إيطاليا قبل أن تدخل في نوبة من القرارات الاستثمارية المتهورة وتفقد أفضليتها لصالح عملاقي الليغا، في الوقت ذاته الذي كان يعلو فيه نجم البريميرليغ بانتظام وعقود بثه بالتبعية.

  

مع دخول دول الخليج على الخط تم فرض معايير جديدة لأسعار اللاعبين، نحن نتحدث عن أندية بلا تاريخ مجيد أو شعبية ضخمة ولكنها تُنافس الكبار على أفضل اللاعبين، وهذا أجبرها على دفع أسعار مبالغ فيها لتحصل على النجوم، وهذه الأسعار المبالغ فيها صارت هي المقياس الجديد للسوق لاحقا، والمقياس الجديد للسوق قلّص كبار أوروبا لعدة أندية لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة.

    

الآن نحن أمام واقع جديد يتعاقد فيه نادٍ مع لاعب مقابل 220 مليونا ثم يعرضه للبيع عقب موسمين، ويضم فيه نادٍ آخر بديلا لهذا اللاعب بـ130 مليونا ثم يعرضه للبيع بعد المدة نفسها. واقع يجلس فيه لاعبون مثل ديمبيليه وخيميس وبيل ومحرز وساني وميندي على الدكة لأسباب مختلفة، رغم أن مجموع ما أُنفق لشراء عقودهم يقارب نصف مليار يورو قد تقترب من مليار كاملة لو أضفنا نيمار وكوتينيو، وكلهم ينتمون لثلاثة أو أربعة أندية فقط. هذا هو التعريف الأوضح والأكثر فجاجة للتخمة.

 

السؤال الآن؛ ماذا يحدث عندما تختزل أحلام جميع اللاعبين في الانضمام إلى ناديين أو ثلاثة من بين كل أندية أوروبا؟ الإجابة؛ مهما بلغت أموال هذه الأندية ومهما بلغ تهور مُلّاكها ورؤسائها في سوق الانتقالات فإنها تخضع لقائمة محددة بـ23 لاعبا في النهاية، وحتى لو حصلت على كل ما تحتاج إليه فسيتبقّى الكثير لغيرها من الأندية.

  

هذا واحد من ألغاز كرة القدم والحياة عموما؛ أن الأمور تتطور في خط مستقيم حتى تصل لأقصاها ثم تعود لنقطة البداية تلقائيا ونكتشف أن الخط المستقيم كان دائرة مفرغة، دائرة من عدة دوائر تفضي لبعضها بعضا، أي إن المتوالية التي أطلقها قانون بوسمان ومنحت القوة المطلقة لأغنياء اللعبة قد تنعكس عند لحظة ما لتستعيد اللعبة شيئا من التوازن.

  

هذا يتضح بشدة في عدة حالات، على سبيل المثال لا الحصر؛ مثل قدرة توتنهام المستمرة على الحفاظ على نجومه رغم شدة الطلب عليهم، بل وتمكّنه من الإضافة إلى قائمته من المواهب رغم محدودية الميزانية المتاحة، وفقدان أندية مثل سيتي وبرشلونة لعدد ضخم من المواهب على مستوى الناشئين والأكاديميات، وخروج عدد غير معتاد من المواهب الإنجليزية نحو فرصة للعب خارج البريميرليغ، وتحوّل أندية مثل دورتموند إلى وجهة مستمرة للمواهب الشابة الذكية التي تعلم أن دقائق المشاركة صارت أكثر قيمة من انتقال مبكر إلى واحد من الكبار.

 

طبعا كل ذلك ما زال في مراحله الأولى ولم يتطور بعد لحركة حقيقية مؤثرة في الاتجاه المعاكس، ولكن هناك بعض العوامل الخفية التي قد تساعد على تحفيزه في المستقبل، أبرزها على الإطلاق هو أن وفرة رأس المال لدى بعض الأندية مقارنة بغيرها قد دفعتها لقرارات أقل حذرا وذكاء في السوق، والعكس بالعكس، مثل أن يتردد مانشستر يونايتد في ضم جناح رائع مثل فيليبي أندرسون رغم حاجته الماسة إلى لاعب مثله في السنوات الأخيرة، تاركا البرازيلي يلمع في ويستهام بينما تبقى جبهة الشياطين اليمنى بلا جناح حقيقي، أو أن يحجم ريال مدريد عن التعاقد مع إيريكسين ويتخلى عن لاعبين مثل سيبايوس وكوفاسيتش بسبب إصرار مدربه على بوغبا، أو أن يتمكن أرسنال من الاحتفاظ بثنائي هجومي مميز في الوقت الذي يحتاج فيه كلٌّ من ريال مدريد وبايرن ميونيخ إلى تجديد الدماء في هذا الخط، ناهيك باضطرار يوفنتوس للتفريط في موهبة مثل مويس كين بعد عدة قرارات سيئة على المستوى الاقتصادي أجبرته على البيع، ولا يبدو أن كبار أوروبا سيتوقفون عن القرارات المشابهة في المستقبل القريب.

الكسل قرين التخمة، ونظرة سريعة للقوى التقليدية في السنوات الأخيرة ستخبرك أن الأمور قد تكون في طريقها للتغير، ورغم الفوارق الواضحة في مستوى المنافسة في إنجلترا فإن الوضع في ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا يبدو مختلفا؛ فحتى بعد انحسار صحوة نابولي وجد يوفنتوس منافسا يخشاه في الدوري هو إنتر، ورغم الإنفاق الجنوني لبرشلونة في السنوات الأخيرة فإن سيطرته المحلية المطلقة في السنوات الأخيرة أصبحت محل شك، وحتى بعد انضمام بايرن ميونيخ لسباق التعاقدات الضخمة ما زال عدد من أكبر مشكلاته بلا علاج واضح، في مقابل تطور مستمر لدورتموند وتعاقدات ذكية منحته أقوى قائمة منذ حقبة كلوب، والمؤشرات على كل ذلك ظهرت واضحة خلال الموسم الماضي.

طبعا قد يُفضي كل ذلك إلى اللا شيء ويستمر الوضع على ما هو عليه لو قرر برشلونة التعاقد مع مدرب حقيقي ليقود فريقه، أو لو تخلّى بيريز وزيدان عن خلافاتهم وصراعهم المستمر على سوق الانتقالات، أو لو توقف يوفنتوس عن التعاقدات الإعلامية وقرر الاهتمام بتدعيم صفوفه أكثر من إضعاف منافسيه، ولكن لا يبدو أن ذلك سيحدث قريبا.

  

هذا كله لا يُخفي الأزمة الأصلية وحقيقة أن الوضع قابل للتدهور لو أفاقت الأندية الكبيرة من غفوتها، ببساطة لأن كل ما يحدث حاليا أشبه بفقدان مؤقت للاتزان، وأسبابه ليست منهجية ولا قابلة للاستمرار، وكأنها حالة من الشبع بعد فترة من السيطرة بلا منافسة حقيقية، وبمجرد إحساس الكبار بمزيد من الخطر في الموسم الحالي قد تنقلب الأمور رأسا على عقب وتبدأ أندية مثل يوفنتوس وبرشلونة وريال مدريد وبايرن في العمل بمزيد من الجدية، وحتى يحدث ذلك لا يملك الباقون سوى استغلال الترنح الحالي والاستعداد لبيات شتوي طويل سيحتاجون فيه إلى كل موهبة يستطيعون الحصول عليها الآن.

الرابط المختصر : https://alahdaaf.com/?p=7565

تفاصيل المقالة